سِحْرُ أبي

أبي مختلف؛ فهو يعاملني وكأني في مثل عمره، ويشعر بي ويفهمني وكأنه في مثل عمري..

أبي ينشغل لنا وينشغل بنا لكنه أبداً لا ينشغل عنّا؛ لا يشغله عمله ولا أصدقاؤه عن هموم بيته وشئون أسرته؛ فعلى رغم مشاغله الكثيرة، وكدّه في الحياة لتوفير قوت يومنا؛ إلا أنه دائماً يجد الوقت الذي يقضيه معنا يومياً، إنكم لا تدرون كم السعادة التي أشعر بها أنا وأخوتي ونحن بجواره، أو في حضنه يحكي لنا عن يومه وعمله وأصدقائه، إنه حقاً يشجعنا أيضاً أن نحكي عن يومنا وحياتنا وهمومنا وطموحاتنا..

أبي يفهمني؛ يفهم ما أفكر فيه وما أخطط له؛ لا أدري كيف ؟!

 ربما لأنه يستمع إلىّ كثيراً.. فحينما نتكلم يحيرني صمته؛ غير أن أسئلته ومداخلاته توحي بتركيزه واهتمامه العميق بما أقول.. إنه فعلاً يجيد الإنصات؛ وهذا يشعرني بأهميتي بشكل غير عادي..

أبي صديقي.. بل أقرب أصدقائي..

أحكي له وأنا مطمئن تماماً؛ فهو يحفظ سري، ويشعر بي؛ ربما أيضا لأنه كان يوماً ما طفلاً ومرّ بما أمر به فهو يضع نفسه مكاني؛ وهذا ما يجعل الحوار معه مريحاً فلا أخاف ترصداً ولا انتقاداً.. أحياناً يدعوني للخروج أنا وهو فقط -كم هذا رائعاً- فنتناول الطعام في مطعم، أو نسير في الممشى، أو نزور أحد أصدقائه..

أبي ما أروعه في تواضعه؛ فهو يعتذر إليّ عن أي خطأ صَغُر أو كَبُر.. بينما لم أتوقع منه اعتذاراً؛ فلأبي رصيد في قلبي يجعلني أعفو عنه، والتمس العذر له ألف مرة..

أبي يحبني جداً.. نعم أشعر بذلك..

إنه يفاجئني بحضنه العميق وأنا لا أخجل من ذلك فهو يحضنني كصديقه وحبيبه وليس مجرد طفله.. أبي يفاجئني بهدايا في مناسبات كثيرة غير متوقعة، اعتز جداً بها على بساطتها.. إن درج مكتبي ملئ بالوريقات المكتوبة بخطه الجميل بعبارات كتبت بماء القلب.. “أحبك يا ولدي الغالي” ، “هذه الورقة لأخبرك أني اشتقت إليك”، “يابني أنت فخري” ، “أنت رجُلي” … الى آخرها من العبارات التي تشحنني وتمدني بطاقة ليومي وغدي..

أبي يثق بي ..

فعلى صغر سني لا أشعر بمراقبته اللصيقة، ولا محاسبته الدقيقة، مع أني وفى بعض المواقف أكتشف معرفته بأدق تفاصيل حياتي.. يبدو أنه يتابعني من بعيد؛ وهذا يطمئنني فلا يتدخل كثيراً في شئوني الخاصة، وهو يعرف أصدقائي جيداً، ويسألني دائماً عن أخبارهم، ويدعوهم في المنزل، ويعرف معلمي ويقدم لهم الهدايا.. إنه يفوض لى بعض مهام المنزل والأسرة.. لا تدرون كم لهذا من أثر في شعوري بنفسي .. أحس بأن لى دوراً في الحياة؛ إنني أُنجز واكتسب خبرات الحياة بفضل دعم أبي ومساندته لى.. إنه يؤهلني ويعدني لمهام الحياة.. لا يكلمني كثيراً عن طموحه لي بقدر ما يكلمني عمّا أستطيع فعله وتحقيقه..!

أبي قدوتي..

ما أمرني بشئ ولا نهاني عن شيء إلا وكان بنفسه أمامي.. إنه يترجم لي المبادئ والأخلاقيات في سلوك، ولا يلقنيها نصوصاً وفقط.. تذكرت معه وصف السيدة عائشة للنبي محمد صلى الله عليه: “كان قرآنا يمشي على الأرض”..

أبي يحترمني..

ما ضربني ولا عاقبني عقاباً أهانني..إنه يراعي مشاعري ويحفظ ماء وجهي أمام الآخرين وحتى أمام نفسي.. أبي يشاورنا في أمور المنزل والقرارت التي تخصنا وغيرها، أختلف معه أحياناً كثيرة في الرأي، ويحاول اقناعي ولا يفرض علي رأيه! فإذا ثبت بالتطبيق صدق رأيه؛ لا يأتي يؤنبني ويلومني؛ إنما يتجاوز مكتفياً بأني تعلمت الدرس.

الحقيقية أني لا أستطيع ترجمة كل ما يفعله معي أبي؛ أشعر وكأنه يسحرني… يجعلني دائماً مشدوداً إليه.. أتلهف لرؤيته، وأتوق لرأيه وحكمته، وأنتظر لقائه انتظار الظمآن لشربة الماء..

كثيرا ما أسمع أصحابي يحكون عن آبائهم وتسلطهم عليهم، وآخرين أباؤهم يهملونهم، وأشعر في داخلى بزهوٍ وفخر وذلك لأن أبي مختلف..!


 إلى هنا انتهت قائمة أمنياتي في أبي، تُرى هل يمكن أن يوجد أب كهذا؟

هذه الأمنيات في قلب ووجدان أطفالنا؛ فهل يمكننا أن نكون لأطفالنا كما يتمنون؟!

لا نجاح في التربية قبل أن تفهم طفلك؛ ولكي تفهمه يجب أن تحاوره وتستمع إليه؛ فلا تربية بغير حوار ولا حوار بغير إنصات.

منبران لا تنزل عنهما في التربية: الحب والثقة؛ والحب يكون بترجمة المشاعر إلى فعال تعبر عنها، فنحن لا ينقصنا الحب بقدر ما ينقصنا التعبير عنه، والثقة تكون بالاكتساب والتجربة. وكل ذلك مناطه المصاحبة والملازمة.