التغافل كمهارة تربوية

حاتم الأصم وهو الشيخ أبو عبد الرحمن حاتم بن عنوان البلخي، كان يقال له “لقمان هذه الأمة”، فلماذا سمي بالأصم؟

جاءت امرأة، فسألت حاتماً عن مسألة، فخرج منها صوتٌ في تلك الحالة فخجلت، فقال حاتم: ارفعي صوتك.. فأوهمها أنه أصمّ.. فسُرّت المرأة بذلك، وقالت: إنه لم يسمع الصوت. فلُقّب بحاتم الأصم.

إن التغافل خلق كريم، وهو أدب السادة. فكيف نجعله مهارة تربوية يسستخدمها الوالدن لنزع فتيل الأزمات، ومعالجة كثير من المواقف مع الأطفال..؟!

ما هو التغافل:

هو أن تغض الطرف عن الهفوات وألا تحصي السيئات، وأن تترفع عن الصغائر، ولا تُركز على اصطياد السلبيات.

قال الله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم لمّا أخطأت بعض أزواجه: ( عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ)..التحريم(آية 3)

قال الإمام أحمد ” تسعة أعشار حسن الخلق في التغافل”،

وقال الحسن البصري “ما استقصى كريم قط !”،

وورد عن معاوية بن ابي سفيان “العقل ثلثه فطنه وثلثاه تغافل”،

وقال الإمام الشافعي “الكيس العاقل؛ هو الفطن المتغافل”،

وقال ابن المبارك: المؤمن يطلبُ المعاذير، والمنافق يطلب الزلات.

الحاجة إلي التغافل في التربية:

– لابد للمربي التحلي بهذا الخُلق، فأولادنا يختبرون الحياة ويجرّبون قدراتهم، ويقلدون أصحابهم، وينقلون للمنزل ما يتعلمونه خارجه، وهنا تكثر الزلات وإصابة السيئات.. و لو وقف المُربي موقف المُحصي المتصيد للزلات والأخطاء لتعب وأتعب..!

– في أغلب الأحوال لا يتعمد أولادنا فعل الخطأ؛ ففى كثير من الأحيان يكون الأمر خارجاً عن سيطرة الطفل؛ كأن يتعثر فى سجاد المنزل، أو يصطدم بالمنضدة أو يُسقط كوباً… وذلك لأنه في بعض مراحل النمو الجسدى، تجد جزءاً ينمو بسرعة بالمقارنة بجزءٍ آخر؛ فلا تنمو أجزاء الجسم بسرعة واحدة؛ فتجد مثلاً أن معدل النمو بين الساقين والجزع والذراعين مختلفاً، وهنا يحدث حالة من عدم التآزر الحركي، ويفقد الطفل السيطرة جزئياً على أطرافها ريثما يتعود على حجمه وأبعاد جسمه الجديدة.. وهنا تتجلى قيمة التغافل.

– ممارسة التغافل تقلل من انتقاداتنا لأولادنا؛ فإن كثرة تعليقاتنا على تصرفات أولادنا تضعف ثقتهم بأنفسهم، كما تجعلهم يتجنبون مجالستنا والتحدث إلينا، ويصابون بالعزوف عن ممارسة الجديد مخافة التعليقات السلبية، فيركنون للمنطقة الآمنة!

– إن كان التغافل لازماً فى التربية بشكل عام، فهو ولا شك ألزم حينما نتعامل مع المراهقين حيث الحساسية المفرطة والنفس القلقة المتحيرة..

فوائد التغافل؟!

 1. يمنحك وقتاً للتفكير، ودراسة المشكلة من جميع جوانبها وسبر أغوارها، بينما انشغالك بإيقاف السلوك السيئ يفقدك تلك الفرصة ويعزز من استمراره.

2. يمنح الابن فرصة للتراجع والمراجعة والإصلاح…

3. يشعر به الابن و يقدّره ويُجلّه فى والديه..

4. يجعل الجو الأسري إيجابياً، بعيداً عن المشاحانات والتربص.

5. يوفر لك فرصة التركيز على الإيجابيات وتبني لغة التشجيع والترغيب.

انتبه!

 – تجاهل السلوك الخاطئ وليس الابن؛ فحينما يتعرض الطفل لموقف إحباط فإنه يكون أحوج ما يكون إلى الدعم النفسي والمواساة.

– هناك فرق بين التغافل والغفلة؛ فالتغافل هو تجاهل لسلوك ابنك الخاطئ فقط حتى ينتهي، ومن ثَمّ محاورته بلطف؛ لمعالجة الموقف لاحقاً بطريقة غير مباشرة، والتغاضي عنه تماماً إن كان هذا السلوك مجرد خطأ عابر، أو هفوة غير مقصودة. أمّا الغفلة فهي إهمال تصرفات ابنك الخاطئة تماماً، وعدم الاكتراث بها.!

– ليس كل سلوك خاطئ يُمكنك تجاهله، فمواقف التعدّي على الغير أو انتهاك حقوق الله تستلزم التدخل المباشر “الحكيم” .. قرار التغافل بيدك وعليك أن تاخذه فى ثوان وفقاً للموقف وخبرتك مع ابنك.

– التغافل ليس غباءاً؛ لكن أحياناً يُعتبر التغابي من الحكمة.. فكما قال الشاعر: ليس الغبي بسيدٍ في قومه … ولكن سيد قومه المتغابي.

أيها الأباء؛ لكي نكتسب التغافل كمهارة تربوية فيجب علينا التدرب مرات ومرات، وستجدون مدى الراحة النفسية التي عمّت المنزل وتمتع به الكبار والصغار؛ ما بين والد كظم غيظاً، وتحلى بالحلم والصبر، وولدٍ شعر بأمان فاطمأنت نفسه وسكنت، بعدما شعر بحب والده وحكمته، وأصبح يمارس حقه فى الخطأ والتعلم من أخطاءه.

أيها الآباء؛ تغافلوا عن هفوات أولادكم، وأزواجكم لدوام الألفة، وهذا أيضاً من الفطنة ووفور العقل؛

فلقد قال بعض الحكماء: وجدت أكثر أمور الدنيا لا تجوز إلا بالتغافل،

وقال أكثم بن صيفي: من شدَّد نفَّر، ومن تراخَ تألف، والشرف في التغافل.

وقال شبيب بن شيبة: الأريب العاقل هو الفطن المتغافل.

فلنرقَ ولنتغافل ولنتجاوز، فكم من أزمة ماتت في مهدها بالتغافل.