الآباء والتربية الحديثة

إننا نعيش في عصر متغير، بل متسارع التغير، تختلف فيه العقول والوسائل والإمكانات، وتظهر أساليب جديدة لمقابلة احتياجات هذا التغير الكبير على جميع المستويات. 

وعلى مستوى التربية؛ فإننا نلمس ظهور أساليب تربوية حديثة لتكافئ التغير الحادث على المستوى الإنساني وعياً وإداركاً.

 أبناؤنا
دائماً في الأمام؛ يسبقوننا بخطوة بل بخطوات، ولكي يمكننا اللحاق بهم يجب علينا
تحسين قدراتنا، وتطوير أساليب جديدة مناسبة، ولكنه وعلى الجانب الآخر تجد الكثير
من الآباء مُتسمّرين لا يُراوحون أمكانهم؛ ظانين أنه بقدرتهم التحكم في دفة
أبنائهم وهم على البَر! فكما هو معلوم فإن البشر هم الأكثر مقاومة للتغير، ولحسن
الحظ؛ فهم أيضا الأكثر قدرة على تغيير أنفسهم!.

وعندما نسأل أنفسنا سؤالاً: لماذا لا يُغيّر الآباء من أساليبهم
التربوية؟، لماذا لا يتبنون الأساليب المُجرَبة والتي آتت بنتائج إيجابية؟، لماذا
نظل جامدين بينما نرى أولادنا يضيعون في متاهات الحياة يعانون متاعب الحياة
الجديدة ومحدثاتها من جهة ومن الجهة الأخرى مقاومة آبائهم الذين يشدونهم للحياة
القديمة وتراثها؟

لقد نشأنا في ظل أساليب تربوية “قديمة” كالعقاب
العنيف مثل الضرب،الطرد، الحرمان الشديد أو القسوة المفرطة والتحكم الزائد
والإجبار والإكراه، ولعل أخطر هذه الأساليب هو التأنيب واللوم الشديدان المستمران؛
فهو يُولّد لدى الابن “الشعور بالذنب”، فمتى ما شعرت بالذنب فأنت ترى
نفسك أهلاً لأي عقاب، وكان ذلك دافعاً لتحمل المزيد من أجل التخلص من هذا الشعور
ولو بقبول الإهانة والتنازل عن الكرامة لتستعيد تكيفك النفسي؛ وهذا ما يبرر أن بعض
الآباء حتى الآن يرون أنهم كانوا يستحقون الضرب والإهانة من والديهم وهم صغاراً،
ويمررون هذه الخبرات لأطفالهم. 

ربما كانت هذه الأساليب تنجح وتؤتى ثمارها سريعاً من تغيير
لظاهر سلوك، وتجعلنا نتبنى القيم من أجل الناس والعرف ورضى الوالدين لا من أجل
قناعتنا وشعورنا بحاجتنا إليها .. لكن استخدام أبائنا لهذه الأساليب أحدث تشوهات
نفسية عميقة في أنفسنا إلى الآن؛ فمنّا من عالج نفسه وتعافى، ومنّا من هو مستمر في
معاناته وهو لا يدري، والدليل معاملته لأولاده؛ فهى انعكاس لهذه المعاناة!..

إننا حينما ننادي بتعلم مهارات تربوية هامة كالحوار والإقناع
والإنصات والاعتذار وبناء الثقة…، أو باستخدام أساليب التربية الإيجابية من
التشجيع والتحفيز وتبني القواعد والقوانين داخل الأسرة، واستخدام أساليب تعديل
السلوك الأخرى غير الضرب والسب والشتم؛ نجد مقاومة أو استخفاف تظهر في إبداء عدم
الثقة في هذه الأساليب. والسؤال هنا: لمــاذا ؟

لماذا لا يثق الآباء في أساليب التربية الحديثة؟!

بوقفة تأمل، يمكنك أن تجد أن هناك خمسة أسباب تعتبر إجابة كافية على هذا التساؤل:

أولاً: عدم الوعي بأهمية التربية من الأساس

هؤلاء الآباء في غفلة عن سمو رسالة التربية، وعن عِظم التكليف
الرباني لنا كآباء بتربية ورعاية أولادنا فلقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(إن الله سائل كل راع عما استرعاه, حفظ أم ضيع؟ حتى يُسأل الرجل عن أهل بيته).
وهذا الصنف من الآباء يعيشون لأنفسهم؛ وتكون تربيتهم لأبنائهم عشوائية قائمة على
ردود الأفعال؛ لا هدف لها وحدود، وهذا أجدرُ أن يُخرج أطفالاً مشتتين مضطربين
ضائعين.

ثانياً: القناعات المغلوطة والثقة الكبيرة في الأساليب المتوارثة

وهؤلاء الآباء لديهم مفهوم خاطئ عن التربية وأساليبها، ولا
يعرفون إلا ما وجدوا عليه آبائهم فهم على آثارهم مقتدون.. بل ويدافعون عن تلك
القناعات والأساليب القديمة ويقولون لقد تربينا على هذه الأساليب وها نحن ما شاء
الله علينا.! ولا نقول أنها كانت خاطئة تماماً؛ إنما نعيب التمسك بالخاطئ منها
والغير مناسب للواقع. وهذا الصنف من الآباء لا يتعظون إلا بأنفسهم؛ وكما قيل
السعيد من اتعظ بغيره والشقى من اتعظ بنفسه! ومع الوقت يتملكهم الندم حين يجدون أن
طرقهم لا توصلهم للابن السوىّ المتميز الناصع، ووقتها ولات حين مندمِ!

ثالثاً:  الهروب من مواجهة أخطائهم

الهروب من مواجهة الأخطاء 
بإلصاق المناقص بالأساليب الإيجابية، فبعض الآباء ليس لديهم القدرة على
مواجهة فشلهم في التربية، فينفرون من كل ما يذكرهم بإخفاقهم، وهذا طبعاً ليس حلاً،
والخسارة مؤكدة لكل من اختار الهروب على المواجهة؛ حيث تتعاظم المشكلات وتتكدس فوق
رؤسهم، وحينها يصل الآباء لليأس، واليأس إحدى الراحتين! وحينما يصل الوالد الى
اليأس من ولده فتضيع الأمانة ويضيع معها الأب وصدق الله إذا يقول: (قل إن الخاسرين
الذي خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين).

رابعاً: تقديم الأساليب الحديثة بصورة فوق مثالية

وهنا اللوم على من ينقلون العلم والأساليب التربوية الحديثة
متجاهلين واقع الحال والمكان والزمان. وسواء كانوا علماء أو مدّعين فهم على السواء
يُنفّرون الآباء من أساليب التربية الحديثة بعرضهم الفوق مثالي والغير واقعي؛
والسبب قلة الخبرات وضعف الاحتكاك بمشكلات وواقع الأسر.

إن تعليم التربية للآباء وتدريبهم عليها يحتاج إلى فقه،
والاستشارات التربوية كالفتوى تتغير حسب الزمان والمكان والحال وما ينفع لأسرة لا
يصلح لأخرى. وأُمرنا أنا نخاطب الناس على قدر عقولهم.. فإذا كانت التربية من جنس
الدعوة إلى الله؛ فلنعلم أن الله أمرنا بالحكمة والموعظة الحسنة، قال تعالى:
(ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ
وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ…).

وأقول للآباء: لا يمنعنك مثالية العرض عن أخذ ما تيسر منه وترك ما تعسر، ومالا يُدرك كله لا يُترك جُلَّه. وقليل مع العمل به خير من كثير مع عدم العمل به.

خامساً: قصر النفس وعدم الصبر علي التعلم والتدريب

هؤلاء الآباء إيجابيون، مهمومون بالتربية، منشغلون بأولادهم.
لكنهم ليس لديهم صبر على التعلم والتدرب على فنون التربية وأساليبها.. وإذا مارسوا
فإنهم مُتعجلون إدارك نتائج عملهم. هؤلاء لديهم الرغبة ولكن تنقصهم الإرادة. أقول
لهؤلاء الآباء ليس هكذا يتغير البشر، وليست هكذا سنن الله في الكون؛ الأمر يحتاج
الى عزم وصبر وأناة.. وحتى وإن لم تدرك النتائج فاعلم أنك مأجور من الله، وبذلت
الأسباب السليمة؛ فنحن مسئولون عن العمل ولسنا مسئولون عن النتائج.. وثقوا أنكم
ستلمسونها بأيديكم عاجلا غير آجل بإذن الله.

أيها الآباء، نحن مأمورون بتتبع العلم والحكمة أينما كانت،
والحكيم الأريب هو من يأخذ ما انتهى إليه الآخرون ويبدأ من حيث ما انتهوا وليس من
حيث ما بدأوا، والسعيد من اتعظ بغيره.. وأولادنا يستحقون منّا دائما الأفضل،
فلنتغير إذا أردنا تغييرهم، فالمستقبل يكون لمن يربي أولاده جيداً.